جوزف وسلوى

دفتري غير الخاصِّ، يعبِّر عنِّي، ويعطيني مجالاً لكي أقول ما أشعر به بحرِّيَّة. قد يتبدَّل ما أريد أن أقوله من يوم إلى آخر، لذا أكتبه في المقالات الَّتي تتبدَّل يوميًّا، ولكنَّ أمرًا واحدًا أقوله يوميًّا، في كلِّ المقالات، في كلِّ التحرُّكات، في كلِّ نَفَسٍ وكلِّ نظرةٍ... طوال الوقت أردِّد إنِّي مغرم إلى أقصى الحدود، إلى اللاحدود. تحيَّة غرام وتقدير إلى شريكة حياتي، إلى سلوى.

مفاجأة سهرة يأس السنة: مخُّول المُنجِّم!

السيفُ أصدَقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ

في حدِّه الحِدُّ بينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

عندما قرأت هذا البيتَ، وكنت بعدُ مراهقًا أو ربَّما طِفلاً، لا أذكُر؛ وإنَّما أذكر أنَّهُ لم يُعجبني، فظاهرُه يذُمُّ العِلمَ ويُعظِّم العُنف. صادفتُ هذا البيتَ غير مرَّةٍ في المدرسة، إلى أن فهمتُ معناه الحقيقيَّ، ذامًّا للمنجِّمين الَّذين نصحوا الحاكمَ يوم قيل البيتُ بعدم خوض إحدى المعارك، وقد خالف الحاكمُ نصائحَهم، وشنَّ حربًا انتصر فيها. فكانَ هذا البيتُ من مادحِه، مُتبعًا ببيتٍ آخر يتحدَّثُ عن الصحائف السوداء والصفائح البيضاء. المهمُّ أنَّه يُثني على العمل مفتاحًا للنجاح، وينصح بعدم الاِتِّكال على المنجِّمين.

واليوم، بعد عدَّة قرون، نرى الناس يحتاجون إلى تذكيرهم ببيت الشعر هذا، لئلاَّ يأتيَ مخُّول، وأمثالُ مخُّول، ومستضيفو مخُّول، ومستغلُّو وجودِ مخُّول، فيملؤون الدنيا ضجيجًا: مخُّول قالَ، مخُّول سيتكلَّم، مخُّول صَدَق، مخُّول تأخَّر تَحقيقُ أمنيتِه، تنبُّئه، توقِّعِه (سمِّها ما شِئت)... والحقيقة الوحيدة هي أنَّ مخُّول استفاد، ومخُّول قَبَضَ، ومخُّول اغتنى، ومخُّول استغلَّ غباءنا.

أطلَّ مخُّول من على شاشة المؤسَّسة اللبنانيَّة لتاجرة العواطف، ذات الباع الطويل في المتاجرة بدموع الناس، وأحزان الناس، وآلام الناس. المؤسَّسة ذات التاريخ المتجذِّر في استغلال كلِّ شيء، من دموع الأطفال، إلى فرحة العرسان. وقد أدخلت إلى مجتمعنا هذه البدعة الحديثة القديمة، التنجيم وضرب الرمل وقراءة الطالع والنازل، والإعلانات تنهمر عليها، ونحن نتحمَّل مخُّول، وفلسفته الفارغة، وادَّعاءه العلم والمعرفة الطوباويَّة والقداسة.

هل يُعقل أن نصدِّقَ أنَّ مخُّولَ مؤمن بالله وأمِّه وابنه وقدِّيسيه، وفي الوقت ذاته يُخبرنا بما سيحصل لفلان وفلانة، وبالكارثة قبل وقوعها، وبالخيرات قبل وفودها؟ كيف يؤمن شخصٌ بالله ويخالف المنطق الإلهيَّ؟ إنَّ الله هو العليم بكلِّ شيء، ولست هنا أقصد في دين معيَّنٍ، بل في المسيحيَّة والإسلام على الأقلِّ. الله الَّذي يؤمن به المسيحيُّون والمسلمون هو الوحيد الَّذي يعرف بالأمور قبل حدوثها، وما قولُ مخُّول المتصابي المتعالي المتفلسف الوقح بعلمه بالأحداث، إلاَّ هرطقة واضحة تقوم على ادِّعاء النبوَّة الَّتي اختُتمت بالمسيح بحسب إيمان المسيحيِّين، وبالرسول بحسب إيمان المسلمين.

أفهم أنَّه لا يحقُّ لي أن أتدخَّل في دين السيِّد مخُّول، ولست أسلِّم بهذا جدلاً، بل أؤمن به وأعمل على أساسه. فكما لا أتقبَّل أن يتدخَّل أحد في ما خصَّ إيماني الدينيِّ، لا أسمح لنفسي بأن أتدخَّل في إيمان أحد، حتَّى لو كان مخُّول المنجِّم. ولكن، لا يحقُّ للسيِّد مخُّول أن يدَّعي الإيمان والصلاة، ويُذكِّر، بمناسبة أو بغير مناسبة، بأنَّه يؤمن ويصلِّي ويذهب إلى القدَّاس، ويحرِّك مشاعر البسطاء وغير البسطاء ممَّن يصدِّقونه، بعبارات مثل "السلام على إسما". إنَّ السيِّد مخُّول هكذا، يستغلُّ العواطف الدينيَّة لشريحة كبيرة من أجل إيصال أفكاره وإقناعهم بأنَّه يعرف الغيب، فيزدهر عمله، ويكبر رصيده المصرفيّ. وليس استغلال مشاعر الناس بأمرٍ غريب عن المؤسَّسة الَّتي استضافته، فمن برنامج يمنح الناس أموالاً وهدايا شرط تمثيل دور الغبيِّ في الطريق العامِّ، أو شرط البكاء، أو يخدم الناس بعقد الصلح بينهم مباشرة على الهواء، مايجلب إعلانات مكثَّفة، ويدرُّ الدولارات بالملايين. ولمَّا ضعفت قدرة تلك المحطَّة على الوصول إلى عدد أكبر من الإعلانات، تحوَّلت إلى تلفزيون الوافع، لاِستغلال الحياة الشخصيَّة للبشر في زيادة عدد المشاهدين.

ونعود إلى مخُّول المنجِّم، الَّذي لا يستصغر عقولنا فحسب، بل ويحاول ألاَّ يجادله أحد في رؤياه. إنَّه يرى أنَّ فلانًا سيقع عليه مكروه، ولكنَّه لا يعرف ما هو المكروه. ولا جدال، لا مجال للسؤال، لأنَّ السؤال قد يفضح، وقد يتلعثم مخُّول ويذكر لنا اسم الجهة الاِستخباريَّة الَّتي تورِّد إليه المعلومات إذا صحَّت التوقُّعات، أقول إذا صحَّت.

ويُتحفنا مخُّول هذا بظهوره بمظهر المربِّي على إحدى الشاشات المحترمة، عندما استضيفَ في شهر رمضان؛ فسخر من المربِّين، وسخر من المدارس، وشجَّع الأولادَ على محاربتها، وعاد وناقد نفسه مرَّاتٍ ومرَّات... غريبٌ أمر هذا المُتصابي، فمن النيو لوك في شهر رمضان، إلى العالم بشؤون السياسة والماورائيَّات، والفلسفة والاستراتيجيَّة... يسبق الجنرالات والمحلِّلين السياسيِّن والمربِّين والمدرِّسين والإعلاميِّين في مجالاتهم، وهو لا يفقه شيئًا في علومهم، ولا في ثقافتهم، ولا في معلوماتهم.

قد يحصل مخُّول على معلوماته من أجهزة الاِستخبارات، أو قد يُطلَب منه ذكر هذه المعلومة أو تلك على سبيل التهويل مثلاً، أو كإشارات سياسيَّة... أو لأيِّ سبب آخر، المهمُّ أنَّ الروح القدس لم يوقِّع عقدًا إعلاميًّا مع مخُّول المتصابي، ربَّما روح الشيطان؟

ليلة يأس السنة في لبنان!

في الأيَّام الأخيرة من كلِّ سنة، تكثر الإعلانات والإغراءات ومحاولات إفراغ الجيوب، أو أسر العيون والقلوب وتسميرها على الشاشة، فننتظر ليلة رأس السنة بفارغ الصبر، آملين ألاَّ تكون ليلة يأس السنة. المطرب المشهور "دعسوق صَرَّار"، والمطربة المتلألئة "سيليكون المنشِّزة"، هذا بخمسين دولارًا للشخص يُحيي حفلته، وتلك بستِّين من العملة الخضراء تعطيك الفرصة لتبدأ عامَك على وقع تنشيزاتها، وفي عينيك صورة لحركاتها ونظراتها المستفزَّة. في السهرة، تدور عيون الشبَّان في سيليكونات جسدها، ليس إعجابًا بها، ولا بمنظرها المُنفِر، وإنَّما محاولةً منهم لإيجادِ الملابس الَّتي تستر جسمها، فيدور الفانوس من بؤرة أوساخٍ في هذا الجزء من جسم المنشِّزة، أقصد المطربة؛ إلى بؤرة أمراض في جزءٍ آخرَ منه. وبعد البحث والتمحيص والتدقيق من هذا المراهق (قد يكون في الأربعين من العمر)، يجد أخيرًا قطعة صغيرة، بصغر الأعمال الطاهرة للآنسة "سيليكون" (الآنسة؟)؛ ولا يُسرَّنَّ القارئُ بهذا الخبر، فقطعة القماش هذه لَم تُرتَدَ إلاَّ لزيادة الاِستفزاز، ولتحريك الغرائز، ولِلَفت نظر السيِّد "سكرجي رائد الملاهي آل قِمار"، فالليلة رأس السنة، وكلُّ شيءٍ أغلى، والسائحُ الشقيق مستعدٌّ للدفع، وارتفاع أسعار النفط يجب أن يُحسَنَ استغلالُه.

والاِختيار متوفِّر للجمهور، إذا لم تُرِد حُضور حفلة المطربة المتلألئة (سُمِّيت كذلك نتيجة لقبولها اللؤلؤ بدل النُقود لقاء خدماتها الليليَّة، فبعض زبائنها يُنتَجُ اللؤلؤ في بلاده كالماء في طرقات بلادنا بعد افتتاح موسم الأمطار)، يمكنك أن ترقص على أغاني صديقنا دعسوق، بطل مسلسل الزيز والنملة. ولن يتغيَّر شيءٌ عليك، فالوجه ناعم، والحاجبان سيفان على خلفيَّة بيضاءَ، والعينان تشعَّان أنثويَّةً، والشَعرُ طويلٌ، صفَّفه له مزيِّنُ الشَعر النسائيِّ، مع نفحة تبرُّجٍ لتغطية بعض الشعيرات الَّتي قد تنمو على وجهه قبل بزوغ الفجر. أمَّا صُوَرُ "دعسوق الصرَّار"، فقد استُنفدت في تحضيرها تقنيَّات الفوتوشوب والفيلتراج، مع بعض الروتوش هنا وهناك، وانتبِه إلى الخدَّين، عليهما أن يبدُوَا متناسقين بعد رفعهما.

أزعجتك أشباهُ الألحان المتقطِّعة والكلمات الَّتي لا يُفهَمُ لِمَ وُضِعت في هذه الأغنية، صفًّا لا معنى لهُ، أغنية للتنُّورة، وأخرى للشال، أو أحمر الشِفاه، وأغاني لا يُفهَمُ المُرادُ منها. هل تَعِبْت من المخرج الَّذي يُلحِّنُ ويغنِّي ويُخرِجُ في الوقت ذاتِه، معَ تلك النفحة الهيفاويَّة الَّتي تُشعُّ من عينه أثناء إخراجه الأصوات؟ الخيارات ما زالت متوفِّرة، لك الحقُّ في بيع كلِّ ما تملك، والدخول إلى مرفقنا السياحيِّ الشهير، من السلوت ماشين إلى الروليت فالبوكر والبلاك جاك، كلُّها مسموحة، مسموحة للكلِّ، أكنت عاطلاً عن العمل أم كنت تتقاضى الآلاف، لكلِّ إنسانٍ الحقُّ في لعب الميسر، لا فرق بين غنيٍّ وفقير، بين ربِّ أُسرةٍ وعازب. وإذا لم تملكِ الكثيرَ، فمحلاَّت البوكر متفشِّية كالسرطان، والبينغو بات يشكِّل الموضةَ الرائجة. ولحُسن حظِّك هذه السنةَ، فإنَّ ليلة العيد يوم أحد، فيمكنك افتتاح يومك في ميدان سباق الخيل، أو من أحد مراكز الوسم المعتمدة من قبله. والأولاد، كيف أُطعمهم؟ إذا كنت تفكِّر هكذا، فإنَّ الفقرات السابقة لا تعنيك، فثمن بطاقة لحضور حفلة "دعسوق الصرَّار" أو "سيليكون المنشِّزة"، يكفي لإطعام عائلتك ربَّما لأسبوع كامل، أو لشراء الهدايا لخمسة أطفال.

وللفئة الأخيرة أيضًا الحقُّ بقضاء سهرة رأس السنة، فإذا أشفق صاحب القرار ولم يقطعِ التيَّارَ (الكهربائيَّ بالطبع)، التلفاز جاهزٌ لمنحك السهرة المميَّزة. وهنا تملك حلَّين، فإمَّا المحطَّات الفضائيَّة، أو الأرضيَّة. إذا أردت أن تكون لبنانيًّا في افتتاح سنتك، فلك أن تختار بين عدد قليل من المحطَّات: محطَّة العيد السياسيِّ، ومحطَّة التمثيل الدينيِّ (هل يمثِّلون على الناس أم على الله؟)، ومحطَّة العجوز المتصابية نجمة الخمسينيَّات، ومحطَّة تعرض نجمة الثمانينيَّات، الَّتي تحمل اسم النجمة الأميريكيَّة المعروفة، والَّتي تُنشِّزُ و"تُزَيْزِقُ" وتتباهى بشعرها الأشقر، وثوبها الملوَّن، وشراريبها "المُتشنشِلَة"، ترافق هذه المحطَّاتِ محطَّةٌ تضعُ إشارة "مباشر" لحفلة من العام الماضي. نجمان لسهرة رأس السنة المتلفزة: برامج الألعاب، كبِّر فاتورة الهاتف، واحصل على وهمٍ بربح سيَّارة صينيَّة؛ والنجم الآخر المنجَّمون. الإعلاميَّة ذات الشفاهِ المنفوخة غيرِ المستقيمة (طبيب التجميل فاشل)، تتنبَّأ لمواليد هذا الشهر أو ذاك، ونجم السهرة بلا منازع، مخُّول المنجِّم، ولنا حديثٌ عنه في مكانٍ آخر.

حلاَّن للهروب من سهرة اليأس هذه: إمَّا القنوات الفضائيَّة البعيدة عن ثقافتنا، وهو حلٌّ غير متوفِّر لمن لا اشتراكَ لديه، والحلُّ الأمثلُ قضاء السهرة معًا، أهلاً وأصدقاءَ، داخِلَ البيت، بعض الطعام، بعض النُكَتِ، ضحكٌ ولعبٌ، أطفالٌ يملؤون السهرة براءةً، فلا للسيليكون (إلاَّ لسدِّ مزاريب الماء)، ولا للدعاسيق، ولا للإعلاميَّة الفرحانة، ولا لمخُّول المنجِّم. نعم لسهرتنا الصغيرة، نعم لأصوات "زمامير الكوتِيون" الَّتي يُطلقها الأولاد، فهي تُفرحُ قلبنا، ولا تؤذي إلاَّ آذاننا، ولوقت قصير، بينما كلُّ الخيارات الأخرى تُؤذي العقلَ، والأُذُنَ، والقلبَ، والأعصاب، والأموال، والأخلاق، فنبدأ سَنَتَنا كما نبدأ صباحَنا، "على وقع الزعيق"، فتتحوَّل ليلة رأس السنة فعلاً، إلى ليلة يأس السنة.



الصفحة الأخيرة | صفحة 1 من 4 | الصفحة التالبة