|
السيفُ أصدَقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ |
في حدِّه الحِدُّ بينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ |
عندما قرأت هذا البيتَ، وكنت بعدُ مراهقًا أو ربَّما طِفلاً، لا أذكُر؛ وإنَّما أذكر أنَّهُ لم يُعجبني، فظاهرُه يذُمُّ العِلمَ ويُعظِّم العُنف. صادفتُ هذا البيتَ غير مرَّةٍ في المدرسة، إلى أن فهمتُ معناه الحقيقيَّ، ذامًّا للمنجِّمين الَّذين نصحوا الحاكمَ يوم قيل البيتُ بعدم خوض إحدى المعارك، وقد خالف الحاكمُ نصائحَهم، وشنَّ حربًا انتصر فيها. فكانَ هذا البيتُ من مادحِه، مُتبعًا ببيتٍ آخر يتحدَّثُ عن الصحائف السوداء والصفائح البيضاء. المهمُّ أنَّه يُثني على العمل مفتاحًا للنجاح، وينصح بعدم الاِتِّكال على المنجِّمين.
واليوم، بعد عدَّة قرون، نرى الناس يحتاجون إلى تذكيرهم ببيت الشعر هذا، لئلاَّ يأتيَ مخُّول، وأمثالُ مخُّول، ومستضيفو مخُّول، ومستغلُّو وجودِ مخُّول، فيملؤون الدنيا ضجيجًا: مخُّول قالَ، مخُّول سيتكلَّم، مخُّول صَدَق، مخُّول تأخَّر تَحقيقُ أمنيتِه، تنبُّئه، توقِّعِه (سمِّها ما شِئت)... والحقيقة الوحيدة هي أنَّ مخُّول استفاد، ومخُّول قَبَضَ، ومخُّول اغتنى، ومخُّول استغلَّ غباءنا.
أطلَّ مخُّول من على شاشة المؤسَّسة اللبنانيَّة لتاجرة العواطف، ذات الباع الطويل في المتاجرة بدموع الناس، وأحزان الناس، وآلام الناس. المؤسَّسة ذات التاريخ المتجذِّر في استغلال كلِّ شيء، من دموع الأطفال، إلى فرحة العرسان. وقد أدخلت إلى مجتمعنا هذه البدعة الحديثة القديمة، التنجيم وضرب الرمل وقراءة الطالع والنازل، والإعلانات تنهمر عليها، ونحن نتحمَّل مخُّول، وفلسفته الفارغة، وادَّعاءه العلم والمعرفة الطوباويَّة والقداسة.
هل يُعقل أن نصدِّقَ أنَّ مخُّولَ مؤمن بالله وأمِّه وابنه وقدِّيسيه، وفي الوقت ذاته يُخبرنا بما سيحصل لفلان وفلانة، وبالكارثة قبل وقوعها، وبالخيرات قبل وفودها؟ كيف يؤمن شخصٌ بالله ويخالف المنطق الإلهيَّ؟ إنَّ الله هو العليم بكلِّ شيء، ولست هنا أقصد في دين معيَّنٍ، بل في المسيحيَّة والإسلام على الأقلِّ. الله الَّذي يؤمن به المسيحيُّون والمسلمون هو الوحيد الَّذي يعرف بالأمور قبل حدوثها، وما قولُ مخُّول المتصابي المتعالي المتفلسف الوقح بعلمه بالأحداث، إلاَّ هرطقة واضحة تقوم على ادِّعاء النبوَّة الَّتي اختُتمت بالمسيح بحسب إيمان المسيحيِّين، وبالرسول بحسب إيمان المسلمين.
أفهم أنَّه لا يحقُّ لي أن أتدخَّل في دين السيِّد مخُّول، ولست أسلِّم بهذا جدلاً، بل أؤمن به وأعمل على أساسه. فكما لا أتقبَّل أن يتدخَّل أحد في ما خصَّ إيماني الدينيِّ، لا أسمح لنفسي بأن أتدخَّل في إيمان أحد، حتَّى لو كان مخُّول المنجِّم. ولكن، لا يحقُّ للسيِّد مخُّول أن يدَّعي الإيمان والصلاة، ويُذكِّر، بمناسبة أو بغير مناسبة، بأنَّه يؤمن ويصلِّي ويذهب إلى القدَّاس، ويحرِّك مشاعر البسطاء وغير البسطاء ممَّن يصدِّقونه، بعبارات مثل "السلام على إسما". إنَّ السيِّد مخُّول هكذا، يستغلُّ العواطف الدينيَّة لشريحة كبيرة من أجل إيصال أفكاره وإقناعهم بأنَّه يعرف الغيب، فيزدهر عمله، ويكبر رصيده المصرفيّ. وليس استغلال مشاعر الناس بأمرٍ غريب عن المؤسَّسة الَّتي استضافته، فمن برنامج يمنح الناس أموالاً وهدايا شرط تمثيل دور الغبيِّ في الطريق العامِّ، أو شرط البكاء، أو يخدم الناس بعقد الصلح بينهم مباشرة على الهواء، مايجلب إعلانات مكثَّفة، ويدرُّ الدولارات بالملايين. ولمَّا ضعفت قدرة تلك المحطَّة على الوصول إلى عدد أكبر من الإعلانات، تحوَّلت إلى تلفزيون الوافع، لاِستغلال الحياة الشخصيَّة للبشر في زيادة عدد المشاهدين.
ونعود إلى مخُّول المنجِّم، الَّذي لا يستصغر عقولنا فحسب، بل ويحاول ألاَّ يجادله أحد في رؤياه. إنَّه يرى أنَّ فلانًا سيقع عليه مكروه، ولكنَّه لا يعرف ما هو المكروه. ولا جدال، لا مجال للسؤال، لأنَّ السؤال قد يفضح، وقد يتلعثم مخُّول ويذكر لنا اسم الجهة الاِستخباريَّة الَّتي تورِّد إليه المعلومات إذا صحَّت التوقُّعات، أقول إذا صحَّت.
ويُتحفنا مخُّول هذا بظهوره بمظهر المربِّي على إحدى الشاشات المحترمة، عندما استضيفَ في شهر رمضان؛ فسخر من المربِّين، وسخر من المدارس، وشجَّع الأولادَ على محاربتها، وعاد وناقد نفسه مرَّاتٍ ومرَّات... غريبٌ أمر هذا المُتصابي، فمن النيو لوك في شهر رمضان، إلى العالم بشؤون السياسة والماورائيَّات، والفلسفة والاستراتيجيَّة... يسبق الجنرالات والمحلِّلين السياسيِّن والمربِّين والمدرِّسين والإعلاميِّين في مجالاتهم، وهو لا يفقه شيئًا في علومهم، ولا في ثقافتهم، ولا في معلوماتهم.
قد يحصل مخُّول على معلوماته من أجهزة الاِستخبارات، أو قد يُطلَب منه ذكر هذه المعلومة أو تلك على سبيل التهويل مثلاً، أو كإشارات سياسيَّة... أو لأيِّ سبب آخر، المهمُّ أنَّ الروح القدس لم يوقِّع عقدًا إعلاميًّا مع مخُّول المتصابي، ربَّما روح الشيطان؟



